فينوس بابان
مسؤولية القلم وإرث التضحيات
بصفتي كاتبة وباحثة سياسية من أبناء هذا الإقليم، أقف أمام المشهد السياسي والإعلامي اليوم لا بدافع الرصد الأكاديمي فحسب بل بدافع الإدراك العميق والمسؤول للخطورة المحدقة بأرضنا وكياننا الدستوري في كوردستان، إن هذا الكيان لم يكن مجرد ترتيب سياسي مرحلي أو نتاج صدفة إدارية بل تشكّل عبر عقود طويلة من التضحيات الجسام والنضال المشترك الذي خاضته القيادات التاريخية لتأسيس مظلة قانونية ودولية تحمي شعبنا وحقوقه المشروعة.
إن هذا الإرث النضالي العريق الذي يمثل الاتحاد الوطني الكوردستاني أحد أركانه وروافده الأساسية يضع على عاتق قيادة اليوم مسؤولية استراتيجية تتجاوز الحسابات الحزبية والتصعيد الإعلامي اليومي لتطال حماية الهيبة المؤسسية للإقليم كوردستان لا سيما في ظل ما يشهده الشرق الأوسط والعالم من تحولات جيوسياسية ضاغطة وصراعات متسارعة تستوجب أعلى درجات التماسك الداخلي.
الشعبوية الإعلامية ومخاطر البناء المؤسسي
إن القراءة الفاحصة والعميقة للخطاب الصادر عن بعض المنصات والفضائيات المحسوبة على الاتحاد الوطني تكشف عن منهجية تعتمد الشعبوية المؤسسية (Institutional Populism)، وهي استراتيجية تقوم على استخدام لغة التشكيك والتقليل من شرعية المؤسسات التنفيذية والدستورية للإقليم وتوصيف الحكومة بأوصاف مجحفة، في الوقت الذي يمارس فيه الحزب أدواره القيادية ومسؤولياته التنفيذية والأمنية كاملة داخل هذه المؤسسات ذاتها.
إن هذا النمط من الإدارة الإعلامية يثير إشكاليات جوهرية على المستوى الاستراتيجي:
التناقض بين المشاركة والخطاب.. إن سلب الشرعية عن المؤسسات أو وصم الحكومة بـ تصريف الأعمال بأسلوب يبتعد عن النقد المهني البنّاء بينما يتولى ممثلو الاتحاد ملفات سيادية ومبادرات تنفيذية مفصلية يولد إرباكاً شديداً لدى الرأي العام ويُضعف مفهوم المسؤولية الوطنية المشتركة.
إضعاف الموقع التفاوضي أمام بغداد.. إن تقديم الإقليم ككيان مفكك أو غير شرعي عبر الإعلام المحلي يُسهم عن غير قصد في رفد الأطراف والخصوم السياسيّين في بغداد بأوراق ضغط مجانية ويُستغل لتمرير سياسات تهدف إلى تقليص الصلاحيات الدستورية والاستحقاقات المالية والأمنية لكوردستان.
التبعات على الصعيدين الدولي والاقتصادي.. إن استمرار هذا التناقض الإعلامي يمتد ليرسل إشارات مقلقة إلى المجتمع الدولي والتحالف الدولي والدول الصديقة، إن تقديم المؤسسات الوطنية بمظهر العجز يضعف الثقة الدولية بتجربة الإقليم الاستثمارية والأمنية، كما أن معالجة الملفات المباشرة كالموازنة والإيرادات وإدارة المنافذ الحدودية تتطلب شراكة اقتصادية كاملة ومسؤولة بين الطرفين، لا يمكن جزأتها عبر إشغال الشارع بالخطابات البوبليستية.
تقويض السلم الأهلي والثقة الوطنية.. إن الشحن الإعلامي المستمر الموجه للشارع لا يصنع إصلاحاً بل يرفع من حدة الاحتقان الشعبي مما يجعل المجتمع أكثر عرضة للانكشاف عند مواجهة الأزمات الاقتصادية والإقليمية المعقدة.
السيد بافل جلال طالباني، رئيس الاتحاد الوطني الكوردستاني المحترم،
أتوجه إليكم بهذه الرسالة بصفتي باحثة سياسية تُدرك توازنات القوة والتحديات العاصفة بالمنطقة، وابنةً لهذه الأرض الحريصة على صيانة كوردستان ومستقبل أبنائها. إن موقع القيادة الذي تتولونه اليوم يضع على عاتقكم مسؤولية اتخاذ قرارات تاريخية تُقرأ في الميزان الاستراتيجي كدليل حكمة ونضج سياسي رفيع؛ فالمكتسبات الوطنية لا تُقاس بالحملات الإعلامية العابرة بل بمدى ثبات المؤسسات الوطنية التي ساهم حزبكم العريق في إرساء دعائمها.
إنني أدعوكم، من واقع الحرص الوطني وإرث التضحيات الكوردية المشتركة إلى المبادرة نحو قيادة تحول حقيقي في الخطاب الإعلامي:
ضبط الخطاب الإعلامي والتهدئة الوطنية.. إن توجيه المؤسسات الإعلامية نحو النقد المسؤول والبناء والابتعاد عن التشكيك في شرعية المؤسسات الجامعة ليس تنازلاً لخصم سياسي بل هو صيانة للمظلة الوطنية التي يتفيأ تحتها الجميع.
المضي نحو تفعيل البرلمان وتشكيل الحكومة.. إن اتخاذ خطوات شجاعة لإعادة تفعيل البرلمان والوصول إلى تشكيل حكومة قوية وممثلة للجميع يظل المدخل الوحيد والشرعي لإنهاء حالة التخندق وتفنيد مقولة تصريف الأعمال، ليعود الإقليم حصناً منيعاً وموحداً أمام بغداد والمجتمع الدولي.
الحكمة السياسية وصناعة الصمود
إن القيادة الحقيقية تُختبر في أوقات الأزمات الكبرى وحكمة الاتحاد الوطني الكوردستاني وتاريخه يفرضان النظر إلى المستقبل بعيون تتجاوز الخلافات التكتيكية والمكاسب الإعلامية المؤقتة.
إن حماية إقليم كوردستان وتثبيت حقوق شعبه الدستورية وصموده أمام العواصف الخارجية، هي غايات متسامية تتطلب إعلاماً مسلّحاً بالمسؤولية ومؤسسات شرعية موحدة وشراكة وطنية متينة. إن التاريخ سيسجل لمن يبادر اليوم بالتهدئة والبناء أنه اختار الحكمة ورسّخ إرادة الصمود التي لم ولن تُكسر.