صادق الازرقي
اعلنت وزارة التربية العراقية عن تطبيقها رسميا نظام الصفوف المبكرة للأطفال دون سن السادسة، في العام الدراسي المقبل، واوضحت الوزارة أن ذلك يعني حضور الاطفال غير المشمولين بالسن التعليمي إلى الصفوف بصفة "مستمع" بهدف ترغيب الأطفال بالنظم المدرسية عن طريق دمجهم بالبيئة المدرسية بعد نزع الرهبة والخوف من نفوسهم بحسب الوزارة.
ولكن كيف يتواءم ذلك مع المشكلات المتعلقة بالتعليم الابتدائي في العراق، ومن ذلك قلة المدارس وتواجد المدارس الطينية والكرفانية، فضلا عن اكتظاظ الصفوف بأكثر من طاقتها الاستيعابية، ما أدى إلى اضطرار بعض المدارس إلى اللجوء إلى الدوام الثلاثي بسبب الكثافة السكانية في بعض المناطق وزيادة أعداد التلاميذ وقلة المدارس؟ الا يشكل الإجراء الجديد ضغطا على العملية التعليمية وتوسيعا للمشكلات؟
برأينا، لو حدث ذلك استنادا لوضع العراق الحالي، فسيكون أحد أبرز التناقضات والمعضلات التي تواجه منظومة التربية والتعليم؛ إذ يظهر القرار فيما يتعلق بما يدعى علم وفن التربية وتعليم الأطفال "البيداغوجيا" وكذلك من النواحي النفسية "من حيث المبدأ" خطوة متقدمة تتماشى مع المعايير العالمية للطفولة المبكرة، لكنه يصطدم بواقع بنيوي وإداري شديد التعقيد.
من الناحية النظرية، يهدف نظام "الصفوف المبكرة" أو ما يعرف بالتعليم الاستباقي إلى كسر حاجز الخوف، وتنمية مهارات التكيف الاجتماعي، وتهيئة الطفل نفسيا للمؤسسة التعليمية؛ من الناحية العملية، البنية التحتية للمدارس العراقية تعاني أصلا من هشاشة بالغة، فإدخال أطفال دون سن السادسة من العمر حتى وإن كانوا بصفة مستمعين سيعني زيادة حتمية في الأعداد في داخل الحرم المدرسي، في وقت تفتقر فيه كثير من المدارس إلى المرافق الأساسية الملائمة لهذه الفئة العمرية كالساحات الآمنة، والخدمات الصحية المناسبة، والغرف الواسعة.
وتعاني المدن الكبرى بخاصة العاصمة بغداد لاسيما المناطق العشوائية من صفوف يتجاوز عدد التلاميذ فيها 50 إلى 60 طالبا في الغرفة الواحدة، مما اضطر الوزارة لفرض الدوام الثلاثي، بل حتى الرباعي في أوقات ومناطق كثيرة، وان إضافة أطفال غير مشمولين بالسن القانوني يزيد الامر تعقيدا ويجعل السيطرة على الصف مستحيلة.
في عديد المحافظات والقرى العراقية، تفتقر المدارس لأبسط مقومات البيئة التعليمية الآمنة والصحية، فالمدارس "الكرفانية" ترتفع درجات الحرارة فيها بشكل لا يطاق صيفا، وتفتقر للتدفئة الكافية شتاء، والمدارس الطينية تكاد تخلو من البنى التحتية والمرافق الصحية؛ فكيف ستستوعب أطفالا في عمر الزهور بهم حاجة إلى رعاية خاصة وبيئة محفزة؟!
ويصاحب تلك السلبيات عبء على الملاكات التدريسية، فالمعلم العراقي يعاني أصلا من ضغط ساعات العمل، وكثرة المناهج، وقلة التخصيصات، وتحمّل أعداد هائلة من التلاميذ، وان إضافة أطفال "مستمعين" بلا خطة واضحة أو تدريب متخصص للتعامل مع هذه الفئة العمرية يزيد من إرهاق المعلمين وتشتيت تركيزهم على المنهج الأساسي.
ويظهر قرار وزارة التربية نوعا من القفز على الأزمات؛ فبدلا من تركيز الجهود على حل المشكلات الجذرية الملحة مثل بناء مدارس جديدة، والقضاء على المدارس الكرفانية، وتقليل الكثافة الصفية، يجري إطلاق مبادرة قد تستهلك ما تبقى من طاقة المؤسسة التعليمية وبنيتها التحتية المتهالكة أصلا، مما يحول هدف ترغيب الأطفال بالمدرسة إلى نتيجة عكسية تتمثل في تكريس صورة ذهنية لبيئة مدرسية طاردة ومكتظة وغير آمنة. إن تسجيل التلاميذ بأعمار صغيرة في الصف الأول الابتدائي بصفة "مستمع" أصبح من القضايا التي تستحق الوقوف عندها ودراستها بعناية، لما يترتب عليه من آثار تربوية ونفسية.
وفي استطلاع لآراء عدد من التربويين، اجمعوا على رفض الفكرة في الوقت الحاضر، ويقول تدريسي، ان الصفوف الأولى أصلا مكتظة لكثرة أعداد التلاميذ، مما يجعلنا نواجه صعوبة في تقديم الاهتمام الكافي لكل طفل، وعند إضافة تلاميذ صغار، تزداد الأعباء في داخل الصف، ويؤثر ذلك في جودة التعليم للجميع.
ويفسر تدريس آخر الامر بالقول، ان له تأثيرا سلبيا على نفسية الصغار، ويلفت الى ان الأثر الأكبر يظهر عند نهاية العام الدراسي، إذ يبقى التلميذ المستمع في الصف الأول، فيما ينتقل أصدقاؤه إلى الصف الثاني، هذا الموقف قد يسبب له شعورا بالحزن والإحباط، ويؤثر في ثقته بنفسه ودافعيته للتعلم، برغم أنه قد يكون بذل جهدا طوال العام، على حد وصفه.
ويشاطره تدريسي آخر الرأي بالقول، انه من الضروري إعادة النظر في آلية تسجيل التلاميذ بصفة مستمع، وإيجاد حلول تراعي مصلحة الطفل أولا، وتخفف من اكتظاظ الصفوف، وتحافظ على البيئة التعليمية السليمة للجميع. فيما يشدد آخر بالقول "الطفل لا يحتاج فقط إلى مقعد دراسي، بل يحتاج أيضا إلى شعور بالنجاح والانتماء والثقة بالنفس، هذا من رأيي الشخصي.."، فيما ينوه معظم من استطلعت آراؤهم الى ان دوام الصغار في روضات الأطفال قبل الالتحاق بالابتدائية، هو البديل الأمثل عن حضورهم في المدارس الابتدائية بصفة مستمعين.